الغزالي
54
إحياء علوم الدين
وأبوابها الحواس الخمس ، وأبوابها من داخل الشهوات وعلائق الدنيا . والخلوة في بيت مظلم تسد باب الحواس ، والتجرد عن الأهل والمال يقلل مداخل الوسواس من الباطن ، ويبقى مع ذلك مداخل باطنه في التخيلات الجارية في القلب ، وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر الله تعالى . ثم إنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ، ويلهيه عن ذكر الله تعالى ، فلا بد من مجاهدته وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت ، إذ لا يتخلص أحد من الشيطان ما دام حيا نعم قد يقوى بحيث لا ينقاد له ، ويدفع عن نفسه شره بالجهاد ، ولكن لا يستغنى قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجرى في بدنه ، فإنه ما دام حيا فأبواب الشيطان مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق ، وهي الشهوة والغضب ، والحسد والطمع ، والشره وغيرها ، كما سيأتي شرحها ومهما كان الباب مفتوحا ، والعدوّ غير غافل ، لم يدافع إلا بالحراسة والمجاهدة . قال رجل للحسن : يا أبا سعيد . أينام الشيطان ؟ فتبسم وقال ، لو نام لاسترحنا . فإذا لا خلاص للمؤمن منه . نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوّته . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره » وقال ابن مسعود ، شيطان المؤمن مهزول ، وقال قيس بن الحجاج ، قال لي شيطانى ، دخلت فيك وأنا مثل الجزور ، وأنا الآن مثل العصفور . قلت ولم ذاك ؟ قال تذيبنى بذكر الله تعالى فأهل التقوى لا يتعذر عليهم سد أبواب الشيطان ، وحفظها بالحراسة ، أعنى الأبواب الظاهرة ، والطرق الجلية التي تفضي إلى المعاصي الظاهرة . وإنما يتعثرون في طرقه الغامضة فإنهم لا يهتدون إليها فيحرسونها ، كما أشرنا إليه في غرور العلماء والوعاظ . والمشكل أن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة ، وباب الملائكة باب واحد . وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة . فالعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق غامضة المسالك ، في ليلة مظلمة . فلا يكاد يعلم الطريق إلا بعين بصيرة ، وطلوع شمس مشرقة والعين البصيرة هاهنا هي القلب المصفى بالتقوى ، والشمس المشرقة هو العلم الغزير ، المستفاد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، مما يهدى إلى غوامض طرقه ، وإلا فطرقه كثيرة وغامضة